اغتیال الأساتذه انتهاک للقانون الدولی والسلم العالمی، لکن المسیره العلمیه فی إیران ستظل نابضه بالحیویه / اللجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران صوت المجتمع العلمی الإیرانی

عقب عملیات الاغتیال الأخیره التی استهدفت علماء فی عمق الأراضی الإیرانیه على ید النظام الصهیونی، أجرى الدکتور حسن فرطوسی، الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران، مقابله مع إذاعه مونت کارلو الفرنسیه، تحدث فیها عن تداعیات الاستهداف المتعمّد للعلماء وأساتذه الجامعات. وأشار إلى استشهاد ما لا یقل عن ۳۲ شخصیه علمیه فی البلاد جراء عملیات الاغتیال أو القصف المتعدد، واصفًا هذا المسار بأنه تهدید لـ«العقلانیه والعلم والسلام»، ومعتبرًا إیاه انتهاکًا للقانون الدولی والقیم التی تقوم علیها رساله الیونسکو الداعمه للسلام. وحذّر فرطوسی من أن هذه الهجمات لا تستهدف الأمن العلمی فحسب، بل تطال أیضًا الطمأنینه النفسیه للأسر والأطفال والطلاب. ووصف فقدان العلماء بأنه خساره فادحه للمجتمع العلمی فی إیران والعالم. ومع ذلک، أکد أن هذه الفواجع لم تتمکن من کسر إراده المجتمع العلمی الإیرانی، بل عززت التضامن الوطنی والعزم على مواصله المسیره العلمیه. وشدد على مسؤولیه المجتمع والمؤسسات الدولیه فی اتخاذ إجراءات عاجله وفعّاله، والالتزام بالاتفاقیات ذات الصله بصون حرمه العلم وضمان حریه العلماء وسلامتهم، من أجل حمایتهم من أعمال العنف المتعمّده والحیلوله دون تکرار مثل هذه الفواجع.

النص الکامل للمقابله التی أجراها الدکتور حسن فرطوسی، الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران، مع مراسل إذاعه مونت کارلو:

المراسل: فی الهجمات الإسرائیلیه الأخیره التی استهدفت عمق الأراضی الإیرانیه، لم تقتصر عملیات القصف على المواقع العسکریه أو المنشآت النوویه، بل استهدفت، وفقًا لتقاریر عدیده، شخصیات علمیه وأکادیمیه لم تکن بالضروره مرتبطه بالبرامج النوویه الدفاعیه. وتضم قائمه الضحایا والمصابین أسماء علماء بارزین وأساتذه جامعیین فی تخصصات مختلفه، الأمر الذی یثیر تساؤلات حول طبیعه هذه الاستهدافات وحدودها. ولیست هذه المره الأولى من نوعها؛ فقد شهدت السنوات الأخیره سلسله من الاغتیالات التی استهدفت علماء إیرانیین، ولا سیما فی المجال النووی. لکن الجدید فی الأمر هو أن «العقل العلمی» یبدو وکأنه مستهدف بحد ذاته. فما الذی یکمن وراء هذا النمط المتکرر، وما تأثیر هذه الهجمات فی الأبحاث العلمیه والمناخ الثقافی والعلمی فی إیران؟ للإجابه عن هذه الأسئله، نستضیف الدکتور حسن فرطوسی، الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران. أهلًا وسهلًا بکم.

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران: السلام علیکم، وأطیب التحیات.

المراسل: دکتور فرطوسی، نتناول الیوم موضوع الاستهداف الواسع للعلماء وأساتذه الجامعات. وأود أن أسأل فی البدایه: هل کانت تخصصات هؤلاء الأشخاص مرتبطه ارتباطًا مباشرًا بالبرنامج النووی الإیرانی أم لا؟

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: مرحبًا. أود أولًا أن أغتنم هذه الفرصه للترحیب بکم وبمستمعینا الکرام، وأشکرکم على هذه المبادره؛ فهی تتیح الفرصه لإیصال صوت العلماء والیونسکو، ولا سیما اللجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران، وکذلک المجتمع العلمی فی البلاد. وکما تفضلتم بالإشاره، فإن هذه الصله تکون مباشره أحیانًا وغیر مباشره أحیانًا أخرى. فقد استُهدف علماء متخصصون فی مجالات مثل الفیزیاء والذکاء الاصطناعی واللیزر، وربما متخصصون فی مجالات أخرى أیضًا، من بین أساتذه تلقوا تعلیمهم داخل البلاد أو خارجها.

وأود بالطبع أن أؤکد أن هذه العملیات لا تقتصر على تصفیه العلماء النوویین، بل تستهدف أیضًا متخصصین فی مختلف التخصصات، وتثیر الخوف والقلق فی أوساطهم، بل وحتى لدى الأشخاص الذین یتعاونون مع المؤسسات الرسمیه أو العلمیه. ومن الواضح أن هذه المسأله لا تقتصر على فئه بعینها. فجمیع الأساتذه الذین استُهدفوا کانوا من جامعات مرموقه، ولا سیما الجامعات الوطنیه، مثل جامعه الشهید بهشتی أو الجامعه الإسلامیه الحره، وکان من بینهم بعض رؤساء الجامعات والکلیات والأقسام الأکادیمیه، وکانوا جمیعًا من الوسط الأکادیمی.

التقیت مؤخرًا بأحد المسؤولین فی هذه الجامعات. والله شاهد على ذلک، فقد قال لی هذا الرجل، وقد غلبه التأثر: «إن إحدى أکبر مشکلاتی هی أننی لا أعرف کیف أعید إحیاء کلیه الفیزیاء هذه، فی غیاب الأساتذه الذین استُشهدوا»؛ وهی الکلیه التی کانت یومًا من أقوى المراکز العلمیه والفیزیائیه فی إیران، بل وفی المنطقه أیضًا! وکان قلقًا على مصیر الطلاب الذین اختاروا هذه الجامعه وجههً لمسیرتهم العلمیه، لکنهم لم یفقدوا أساتذتهم فحسب، بل إن أسرهم أیضًا تعرّضت للاغتیال فی لیله واحده، سواء أثناء نومهم أو داخل منازلهم.

المراسل: إذا نظرنا إلى قائمه الأساتذه الذین نُشرت أسماؤهم باعتبارهم مستهدفین، نلاحظ أن بعض تخصصاتهم لا تربطها أی صله بالبرنامج النووی. فعلى سبیل المثال، استُهدفت الدکتوره مرضیه عسکری، الأستاذه المساعده فی تخصص طب حدیثی الولاده بجامعه طهران. ما موقف القانون الدولی من عملیات کهذه، برأیکم؟

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: شکرًا لکم. أود هنا أن أؤکد لیس على القانون الدولی فحسب، بل أیضًا على الأهداف الأساسیه للیونسکو، وفی مقدمتها «صون السلام». فالبشریه الیوم فی أمسّ الحاجه إلى هذا المفهوم أکثر من أی وقت مضى. ومن منظور الیونسکو، یُعدّ التعلیم والثقافه والعلوم والاتصالات، وحتى وسائل الإعلام التی تتناولونها، جمیعها أدوات لتحقیق السلام.

ویجب أن أذکّر بأن القانون الدولی لا یقدّم أی مبرر لاستهداف العلماء بحجه احتمال تسببهم فی مخاطر ضمن مشاریع نوویه سلمیه، فضلًا عن استهداف أسرهم وأطفالهم. فقد لجأ أحد الأساتذه الذین نجوا من محاوله اغتیال فی طهران إلى منطقه غیلان الخضراء الجمیله، لکن ۱۶ فردًا من أفراد أسرته استُشهدوا فی لیله واحده! فما علاقه هؤلاء الأبریاء بالبرنامج النووی؟

إن القانون الدولی، کما تعلمون، یُعدّ مجال تخصصی الأکادیمی والمهنی، ویوفر الحمایه حتى للعسکریین فی زمن السلم، إذا کانوا فی منازلهم أو خارج نطاق أداء مهامهم، شأنهم شأن المدنیین. فأین إذن تطبیق قرارات الأمم المتحده التی تنص على ضروره موافقه الهیئات الدولیه على أی عمل عسکری؟

المراسل: دکتور فرطوسی، بعد هذه السلسله من الاغتیالات، هل یشعر العلماء وأساتذه الجامعات بأنهم قد یکونون أهدافًا مباشره للاغتیال؟ وهل یسود مناخ من الخوف فی المجتمع العلمی الإیرانی؟

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: أقول بصراحه إن الخوف فی أوساط أسر هؤلاء الأشخاص أکبر منه لدى العلماء أنفسهم؛ لأن الخطر لم یعد یقتصر على العالم وحده، بل بات یهدد المحیطین به أیضًا. انظروا إلى العراق وسوریا؛ فحتى بعد تغییر الأنظمه، ظل العلماء عرضه للاستهداف. وبالتالی، فإن «العلم» هو المستهدف.

لدینا فی الیونسکو برامج واضحه لدعم حریه العلماء وأمنهم، لکنها انتُهکت، للأسف، بصوره مروعه. ومع ذلک، عززت هذه الاغتیالات روح المقاومه والتضامن بین العلماء وأفراد الشعب. غیر أن الهدف الأساسی کان زرع بذور الخوف لتعطیل الأنشطه العلمیه، رغم أن الأثر الإنسانی لهذا الخوف کان أشد بکثیر على الأسر والأطفال والطلاب.

المراسل: کیف أثّر استهداف أکثر من ۱۴ عالمًا وأستاذًا جامعیًا فی الهجمات الأخیره فی المناخ العلمی والثقافی فی إیران؟

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: شکرًا على هذا السؤال المهم. أود أن ألفت انتباهکم إلى أن لدیّ قائمه قدّمتها إلى الیونسکو، تضم ما لا یقل عن ۳۲ عالمًا وأستاذًا وطالبًا، ولیس ۱۴ شخصًا فقط.

المراسل: هل استُهدف هؤلاء الأشخاص الـ32 مباشره أم أنهم لقوا حتفهم؟

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: منهم من استُهدف مباشره ومنهم من استُهدف بصوره غیر مباشره. لقد أصبحت المسأله معقده إلى حد یصعب معه تحدید ما إذا کان المستهدفون قد استُشهدوا نتیجه عبوات ناسفه مزروعه أم بوسائل أخرى، مثل الصواریخ أو الطائرات المسیّره. وهذا لیس مجال تخصصی. لقد کانت الأسبوع الماضی، بالنسبه إلینا، أسبوع حداد فی المجتمع العلمی. فقد کانوا أساتذه بارزین، أی من أصحاب المراتب العلمیه الرفیعه، وکان معظمهم من الأساتذه الحاصلین على درجه الأستاذیه، وقد تلقوا تعلیمهم فی أفضل جامعات العالم. وأنتم تعلمون جیدًا مقدار الجهد والخبره اللازمین لبلوغ هذه المرتبه. فهل تعلمون کم سنه یستغرق إعداد عالم متمکن ومتمیز؟

من المؤکد أن فقدان هؤلاء ترک أثرًا سلبیًا فی المجتمع العلمی الإیرانی؛ ففقدان عالم واحد یعادل خساره کنز عظیم. لکن، الحمد لله، تزخر إیران بالنخب والمفکرین اللامعین، الذین یتألقون لیس على المستوى الوطنی فحسب، بل على مستوى المنطقه والعالم أجمع. وأرى أن هذه الأحداث لم تفعل سوى زیاده عزیمه هؤلاء العلماء على المستوى الوطنی.

المراسل: هل تُجرى نقاشات داخلیه بشأن سبل حمایه النخب العلمیه من هذه الاستهدافات؟

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: أولًا، أدّى هذا الأمر إلى تعزیز التضامن بین العلماء، کما أسفر عن صیاغه بیانات عدیده موجّهه إلى المنظمات الدولیه، ومنها الیونسکو. وقد شهدت خلال الأسبوع الماضی جهودًا للتذکیر بأهمیه إبرام معاهدات دولیه لحمایه العلماء فی جمیع أنحاء العالم؛ إذ یتعرض العلماء، للأسف، للاستهداف فی مختلف أنحاء العالم. ومن المؤسف للغایه أن نرى ازدواجیه المعاییر فی هذا المجال واضحهً تمامًا؛ فهناک مثل عربی یقول: «باؤکم تجرّ وباؤنا لا تجرّ!». فإذا صنعت الولایات المتحده أو إسرائیل صاروخًا الیوم، عُدّ ذلک أمرًا طبیعیًا، أما إذا دخل سوری أو عراقی أو إیرانی مجال العلوم، فإنه یُدان! وهذا أمر غیر مقبول. فالدفاع عن النفس حق لکل دوله، وهذا الأمر واضح تمامًا فی القانون الدولی. ولکن، هل یُستهدف عالم لمجرد احتمال أن یکون قد أسهم فی صناعه قنبله؟! وکما عثروا على أسلحه الدمار الشامل فی العراق، سیعثرون یومًا ما على القنبله فی إیران أیضًا! إن کل ذلک لیس سوى لعبه وأکاذیب.

المراسل: أخیرًا، دکتور فرطوسی، فیما یتعلق بالجامعات التی کان هؤلاء العلماء یدرّسون فیها: هل توقفت الدراسه؟ وهل توجد بدائل لهم؟ نرجو أن تقدموا لنا توضیحًا موجزًا.

الأمین العام للجنه الوطنیه للیونسکو: لحسن الحظ، نحن الآن فی العطله الصیفیه، وإن کانت هذه الأحداث قد أدت إلى إغلاق الجامعات قبل موعدها المحدد. وکانت جامعه الشهید بهشتی هی الجامعه الرئیسیه التی استُهدفت. ومن المصادفه أن ابنه عمی تدرس هناک، وهی طالبه متفوقه فی تخصص الفیزیاء. تقیم أسرتها فی الأهواز، بینما تسکن هی فی السکن الجامعی بطهران. وقد تحدثت أسرتها إلیّ وأعربت عن قلقها الشدید. ومن الطبیعی أن تثیر هذه المسأله قلقًا بالغًا لدى الأسر، بل إن قلقها یفوق أحیانًا قلق الطلاب والأساتذه أنفسهم. وقد ترکت هذه الأحداث آثارًا سلبیه فی أوساط الأساتذه أیضًا، لکن، إن شاء الله، ستستمر الحیاه، وکذلک ستتواصل المسیره العلمیه.

المراسل: دکتور فرطوسی، الأمین العام المحترم للجنه الوطنیه للیونسکو فی إیران، نشکرکم على هذه التوضیحات، ونقدّر لکم قبول دعوتنا.

للاطلاع على النسخه الإنجلیزیه، والعربیه، والفرنسیه، یُرجى النقر على الروابط.

للاطلاع على المقابله الکامله عبر إذاعه مونت کارلو، انقر هنا.

لمشاهده فیدیو المقابله، انقر هنا.

اشتراک‌گذاری :