بما إن الحروب تبدأ في أذهان البشر، ففي أذهان البشر أيضًا ينبغي أن تُبنى أسس الدفاع عن السلام.

رساله الیونسکو فی الذکرى العشرین لتسونامی المحیط الهندی؛ تأمل عالمی متجدد لحمایه المحیطات
| رساله المدیره العامه للیونسکو بمناسبه الیوم العالمی للمحیطات: ۸ یونیو ۲۰۲۵فی الذکرى العشرین لتسونامی المحیط الهندی المدمّر، أصدرت أودری أزولای، المدیره العامه للیونسکو، رساله بمناسبه الیوم العالمی للمحیطات، أکدت فیها ضروره اتخاذ إجراءات عالمیه عاجله ومنسّقه لحمایه المحیطات والمجتمعات الساحلیه؛ وهی رساله ترکز على الترابط بین العلم والقدره على الصمود والمسؤولیه الجماعیه من أجل مستقبل مستدام. |
قبل ما یزید قلیلًا على ۲۰ عامًا، وتحدیدًا فی دیسمبر ۲۰۰۴، ضرب تسونامی بالغ الشده المحیط الهندی، مدمّرًا کل ما صادفه فی طریقه، ومودیًا بحیاه أکثر من مئتی ألف شخص، ومشرّدًا أعدادًا لا تُحصى من السکان. ولم تکن هذه الکارثه مجرد مأساه إنسانیه واسعه النطاق، بل شکّلت أیضًا تذکیرًا بالقوه الهائله للمحیط، التی غالبًا ما یصعب التنبؤ بها، وبمدى هشاشه أوضاع ملایین الأشخاص الذین یعیشون على سواحله.
وبعد مرور عقدین، لا تزال ذکرى ذلک الیوم تسهم فی تشکیل الوعی والتحرک على الصعید العالمی. ومنذ ذلک الحین، اضطلعت الیونسکو بدور ریادی فی تنسیق الجهود الدولیه الرامیه إلى فهم المخاطر المرتبطه بالمحیطات على نحو أفضل، وتحسین الاستعداد لمواجهه أمواج تسونامی، ونشر أنظمه الإنذار المتقدمه، وتعزیز قدره المجتمعات الساحلیه على الصمود. فالمحیط، بوصفه مصدرًا للحیاه والمخاطر والفرص، یتطلب اهتمامًا مستمرًا ومسؤولیه مشترکه من جانبنا جمیعًا.
محور الیوم العالمی للمحیطات لعام ۲۰۲۵
وانطلاقًا من ذلک، تؤکد الیونسکو، فی هذا الیوم العالمی للمحیطات، الحاجه الملحّه إلى العمل المشترک من أجل حمایه المحیط ودعم المجتمعات التی تستفید من موارده؛ وهو جهد یقع فی صمیم المؤتمر الثالث للأمم المتحده للمحیطات، الذی یجمع هذا الشهر المجتمع الدولی المعنی بالمحیطات فی مدینه نیس الفرنسیه.
عقد علوم المحیطات من أجل التنمیه المستدامه
وتکتسب هذه السنه أهمیه خاصه، إذ تمثل منتصف مسیره «عقد علوم المحیطات من أجل التنمیه المستدامه» التابع للأمم المتحده، الذی تتشرف الیونسکو بقیادته من خلال لجنتها الأوقیانوغرافیه الحکومیه الدولیه. ومنذ انطلاق هذا العقد عام ۲۰۲۱، نُفّذت أکثر من ۷۰۰ مبادره علمیه مبتکره فی مختلف أنحاء العالم، فی خطوات مهمه نحو بناء المحیط الذی نحتاج إلیه من أجل مستقبل أفضل.
استراتیجیات الیونسکو الثلاث: المعرفه والحمایه والتمکین
وفی إطار هذا الجهد العالمی، تعتمد الیونسکو نهجًا شاملًا یرتکز على ثلاثه أولویات: تعزیز المعرفه، وتحسین الحمایه، وتمکین المجتمعات المحلیه.
من قاع المحیط إلى الثقافه المحیطیه
ومن أجل تعمیق فهمنا الجماعی، حققت الیونسکو تقدمًا فی علوم المحیطات؛ فمنذ عام ۲۰۱۷، ضاعفنا مساحه قاع المحیط التی شملتها أعمال رسم الخرائط أربع مرات، ووسّعنا معارفنا بشأن الحیاه البحریه، حتى بات نظام معلومات التنوع البیولوجی للمحیطات یضم الیوم أکثر من ۱۸۵,۰۰۰ نوع مدرج.
وبالتوازی مع هذه الجهود، استثمرنا فی مجال الثقافه المحیطیه، ولا سیما من خلال مرکز الثقافه المحیطیه SEA BEYOND فی مدینه البندقیه بإیطالیا. کما نعمل على تعزیز الشمول اللغوی والثقافی فی مجال المحیطات، من خلال ترجمه دلیل تعلیمی حول هذا الموضوع إلى اللغه السواحیلیه، التی یتحدث بها أکثر من ۲۰۰ ملیون شخص فی بوروندی وجمهوریه الکونغو الدیمقراطیه وجزر القمر وکینیا ورواندا وتنزانیا والصومال وجنوب السودان وأوغندا.
من المعرفه إلى الحمایه الفاعله
غیر أن المعرفه وحدها لا تکفی؛ فقد عملت منظمتنا على تحویل هذه المعرفه إلى إجراءات عملیه لحمایه المحیط. ونحن نحافظ على التنوع البیولوجی فی ۲۵۰ محمیه من محمیات المحیط الحیوی الجزریه والساحلیه فی ۸۲ بلدًا، فضلًا عن ۵۰ موقعًا بحریًا مدرجًا على قائمه التراث العالمی.
وعلى الرغم من أن هذه المناطق لا تغطی سوى أقل من ۱% من مساحه المحیطات، فإنها تحمی أکثر من ثلث الأنواع البحریه المعرّضه للخطر فی العالم، و21% من النظم الإیکولوجیه للکربون الأزرق، وما لا یقل عن ۱۵% من الشعاب المرجانیه فی العالم.
وأخیرًا، تدعم الیونسکو المجتمعات التی تقف فی الخطوط الأمامیه لمواجهه المخاطر المرتبطه بتغیر المناخ. فمن خلال مبادرات مثل البرنامج العالمی «الاعتراف بالاستعداد لمواجهه تسونامی»، ساعدنا ۱۰۰ مجتمع محلی فی ۳۱ بلدًا على تعزیز استعدادها وقدرتها على الصمود فی مواجهه التهدیدات المتزایده.
وفی هذا الیوم العالمی للمحیطات، لنجدد التزامنا بعلوم المحیطات والحمایه والتعاون. ولنجدّد علاقتنا بالمحیط، مدرکین ما یقدمه لنا من خیرات وما یتسم به من هشاشه. ولنتذکر، على حد تعبیر المؤرخ الفرنسی جول میشلیه، أن:
«الماء هو القاعده على سطح الأرض بأسره، أما الیابسه فهی الاستثناء».







